بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وأل محمد
السلام عليكم ورحمة االله وبركاته
قال الله عز وجل في محكم كتابه الكريم

﴿قُل لِّعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرَّاً وَعَلاَنِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلَال 31 اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الَّثمَرَتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الاَْنْهَرَ 32وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ33 وَءَاتَيكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلُْتمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ34﴾سورة ابراهيم
وقال تعالى:﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمّا رَزَقْنَـاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَـاعَةٌ وَالْكَـافِرُونَ هُمُ الظَّـالِمُونَ﴾254
سورة البقرة
تخاطب هذه الآية المسلمين وتشير إلى أحد الواجبات المهمّة عليهم الّتي تسبّب في تقوية بنيتهم الدّفاعيّة وتوحّد كلمتهم فتقول:
(يا أيّها الّذين آمنوا أنفقوا ممّا رزقناكم).
جملة (ممّا رزقناكم) لها مفهوم واسع حيث يشمل الإنفاق الواجب والمستحب، وكذلك الإنفاق المعنوي كالتعليم وأمثال ذلك، ولكن مع الإلتفات إلى التهديد الوارد في ذيل الآية لايبعد أن يكون المراد به الإنفاق الواجب يعني الزكاة وأمثالها
وقد رجّح المرحوم (الطبرسي) في مجمع البيان شموليّة الآية للإنفاق الواجب والمستحب، وذهب إلى أنّ ذيل الآية لا يُعتبر تهديداً، بل هو إخبار عن الحوادث المخوفة يوم القيامة
ولكن مع ملاحظة آخر جملة في هذه الآية الّتي تقول إنّ الكافرين هم الظالمون يتضح أنّ ترك الإنفاق نوع من الكفر والظلم، وهذا لا يكون إلاّ في الإنفاق الواجب.

ثمّ تضيف الآية (من قبل أن يأتي يومٌ لا بيع فيه ولا خُلّة ولا شفاعة)
عليكم أن تنفقوا ما دمتم اليوم قادرين على ذلك، لأنّ العالم الآخر الذي هو محلّ حصاد ما زرعتموه في الدنيا لن يتسنى لكم فيه أن تفعلوا شيئاً، فلا معاملات ولا صفقات تجارية تستطيعون بها أن تشتروا السعادة والخلاص من العقاب، ولا هذه الصداقات المادّية التي تكسبونها في الدنيا بأموالكم تنفعكم في شيء هناك، لأنّ أصدقاءكم أنفسهم يعانون نتائج أعمالهم ولا يدفعون من أنفسهم للآخرين، ولا تنفعكم شفاعة، لأنكم بتخلّفكم حتّى عن الإنفاق الواجب لم تفعلوا ما هو جدير بأن يشفع لكم.وعليه فإنّ جميع أبواب النجاة مسدودة بوجوهكم.
تعقيباً للآيات السابقة في الحديث عن برنامج المشركين والذين كفروا بأنعم الله وكون مصيرهم إلى دار البوار، تتحدّث هذه الآيات عن برنامج عباد الله المخلصين والنعم النازلة عليهم، يقول تعالى: (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا ممّا رزقناهم سرّاً وعلانية) قبل أن يأتي ذلك اليوم الذي لا يستطيع فيه الإنسان من التخلّص من العذاب بشراء السعادة والنعيم الخالد، ولا تنفع الصداقة حينئذ (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال).
نواجه في هذه الآيات مرّةً أُخرى وفي تنظيم برنامج المؤمنين الصادقين مسألة "الصلاة" و "الإنفاق"، وفي البداية قد يطرح هذا السؤال، وهو: كيف أشار القرآن الكريم لهاتين المسألتين من بين جميع البرامج العمليّة للإسلام؟ العلّة في ذلك أنّ للإسلام أبعاد مختلفة يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط: علاقة الإنسان بربّه، وعلاقته بخلق الله، وعلاقته بنفسه، وهذا القسم الأخير في الحقيقة نتيجة للقسم الأوّل والثاني، فالصلاة والإنفاق كلّ واحدة منهما رمز للعلاقة الأُولى والثانية.
والصلاة مظهر لصلة الإنسان بربّه وهذه الصلة تظهر في الصلاة بشكل أوضح من أي عمل آخر، والإنفاق رمز للصلة بين المخلوقين، فالرزق في مفهومه الواسع يشمل كلّ نعمة مادية ومعنوية.
وبالنظر إلى أنّ هذه السورة مكّية، وأثناء نزولها لم يكن حكم الزكاة نازلا بعد، لا نستطيع القول: إنّ هذا الإنفاق مرتبط بالزكاة، بل له معنىً واسع بحيث يشمل حتّى الزكاة بعد نزولها.
وعلى أيّة حال إذا تأصّل الإيمان فسوف يتجلّى بالعمل فيقرب الإنسان إلى ربّه من جانب، إلى عباده من جانب آخر.
- لماذا السرّ والعلانية؟
نقرأ مراراً في آيات القرآن أنّ المؤمنين ينفقون أو يتصدّقون في السرّ والعلانية، وبهذا الترتيب فإنّه تعالى مع ذكره للإنفاق يذكر كيفيّة الإنفاق، لأنّه يكون مرّةً في السرّ أكثر تأثيراً وكرامة، ويكون مرّةً أُخرى في الجهر سبباً في تشجيع الآخرين وإقتدائهم في إقامة الشعائر الدينيّة.
ويقول بعض المفسّرين: إنّ الفرق بين الإنفاقين هو أنّ الإنفاق العلني مرتبط بالواجبات، فلا يخشى عليه من الرياء، لأنّ العمل بالواجبات لازم للجميع ولا داعي لإخفائه، وأمّا الإنفاق المستحبّ - ولأنّه زائد عن الوظيفة الواجبة - فمن الممكن أن تتخلّله حالة من التظاهر والرياء ولذلك كان إخفاؤه أفضل.

ورد في مجمع البيان عن قوله تعالى﴿وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية﴾أي وقل لهم ينفقوا من أموالهم في وجوه البر من الفرائض والنوافل ينفقون في النوافل سرا ليدفعوا عن أنفسهم تهمة الرياء وفي الفرائض علانية ليدفعوا تهمة المنع﴿من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه﴾يعني يوم القيامة والمراد بالبيع إعطاء البدل ليتخلص به من النار لا أن هناك مبايعة﴿ولا خلال﴾أي ولا مصادقة وهذا مثل قوله الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين000انتهى
- يومٌ لا بيع فيه ولا خلال
من المعلوم أنّ يوم القيامة هو يوم إستلام النتائج ومتابعة جزاء الأعمال، وبهذا الترتيب لا يستطيع أحد هناك أن ينجو من العذاب بفدية، حتّى لو إفترضنا أنّه ينفق جميع ما في الأرض فإنّه لا يمكن أن يمحو ذرّةً من جزاء أعماله، لأنّ صحيفته في "دار العمل" أي الدنيا مليئة بالأخطاء والذنوب وهناك "دار الحساب".
وكذلك لا تستطيع العلاقة المادية للصداقة مع أي شخص كان أن تنجيه من العذاب، وبعبارة أُخرى: إنّ الإنسان غالباً ما يلجأ إلى المال أو الواسطة (الرشوة، العلاقات) في نجاته من المصاعب في هذه الدنيا، فإذا كان تصوّرهم أنّ الآخرة كذلك فهذا دليل وهمّهم وجهلهم.
ومن هنا يتّضح أنّ نفي وجود الخلّة والصداقة في هذه الآية لا يتنافى مع صداقة المؤمنين بعضهم لبعض في الآخرة والتي أشارت إليها بعض الآيات، لأنّها صداقة مودّة معنوية في ظلّ الإيمان.
وأمّا مسألة "الشفاعة" فانّها تخلو من أي مفهوم مادّي، بل بالنظر إلى ما صرّحت به بعض الآيات فإنّها في ظلّ العلاقات المعنوية وصلاحية البعض بسبب أعمال الخير
وفي الميزان ورد قوله لا ينافي ما في هذه الآية من نفي المخالة قوله تعالى:﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾الزخرف: 67 فإن النسبة بين الآيتين نسبة العموم والخصوص المطلق فتخصص هذه الآية بتلك الآية ويتحصل المراد من الآيتين أن كل خلة من غير جهة التقوى ترتفع يوم القيامة، وأما الخلة التي من جهتها وهي الخلة في ذات الله فإنها تثبت وتنفع فنفي الخلال مطلقا ثم إثبات بعضه في الآيتين نظير نفي الشفاعة مطلقا في قوله:﴿ولا خلة ولا شفاعة﴾البقرة: 254 ثم إثباتها فيما كان بإذن الله كما في قوله:﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾الزخرف: 86.000انتهىى
ثمّ تتطرّق الآية إلى معرفة الله عن طريق نعمه، معرفة تؤدّي إلى إحياء ذكره في القلوب، وتحثّ الإنسان على تعظيمه في مقابل لطفه وقدرته، لأنّ من الأُمور الفطرية أن يشعر الإنسان في قلبه بالحبّ والودّ لمن أعانه وأحسن إليه.
ويبيّن هذا الموضوع من خلال عدّة آيات (الله الذي خلق السّماوات والأرض وأنزل من السّماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم).
ثمّ أنّه (وسخّر لكم الفلك) سواء من جهة موادّها الأوّلية المتوفّرة في الطبيعة، أو من جهة القوّة المحرّكة لها وهي الرياح التي تهب على البحار والمحيطات بصورة منتظمة لتسيير هذه السفن فتنقل الإنسان وما يحتاج إليه من منطقة إلى أُخرى بيسر وسهولة: (لتجري في البحر بأمره).
(وسخّر لكم الأنهار) كي تسقوا من مائها زروعكم، وتشربوا أنتم وأنعامكم، وفي كثير من الأحيان تكون طريقاً للسفن والقوارب، وتستفيدون منها في صيد الأسماك.
وليست موجودات الأرض - فقط - مسخّرةً لكم، بل (وسخّر لكم الشمس والقمر دائبين)
وليست مخلوقات العالم بذاتها فقط، بل حتّى الحالات العرضية لها هي في خدمتكم: (وسخّر لكم الليل والنهار وآتاكم من كلّ ما سألتموه) من إحتياجاتكم البدنيّة والإجتماعية وجميع وسائل السعادة والرفاه (وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها) لأنّ النعم المادية والمعنوية للخالق شملت جميع وجودكم وهي غير قابلة للإحصاء، وعلاوةً على ذلك فإنّ ما تعلمونه من النعم بالنسبة لما تجهلونه كقطرة في مقابل البحر.
وعلى الرغم من كلّ هذه الألطاف والنعم فـ(إنّ الإنسان لظلوم كفّار).
فلو كان الإنسان يستفيد من هذه النعم بشكلها الصحيح لأستطاع أن يجعل الدنيا حديقة غنّاء ولنفّذ مشروع المدينة الفاضلة، ولكن بسبب عدم الإستفادة الصحيحة لها أصبحت حياته مظلمة، وأهدافه غير سامية، فتراكمت عليه المشاكل والصعاب وقيّدته بالسلاسل والأغلال.

************************************************** ************************************************** ******************************************
تفسير الأمثل
تفسير الميزان
تفسير مجمع البيان