بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
الطيبين الطاهرين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال الله عز وجل في محكم كتابه الكريم:
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائَكَةُ يَـامَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَـالَمِينَ(42) * يَـامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(43)﴾ سورة آل عمران
تقول الآية إنّ الملائكة كانوا يكلّمون مريم: (وإذ قالت الملائكة يا مريم...).
ما أعظم هذا الإفتخار بأن يتحدّث الإنسان مع الملائكة ويحدثونه.
وخاصة إذا كانت المحادثة بالبشارة من الله تعالى بإختياره وتفضيله.
كما في مورد مريم بنت عمران.
في الآية دليل على كون مريم محدثة تكلمها الملائكة وهي تسمع كلامهم كما يدل عليه أيضا قوله في سورة مريم: (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا 00)
فقد بشرتها الملائكة بأن الله تعالى قد إختارها من بين جميع نساء العالم وطهّرها وفضلها بسبب تقواها وإيمانها وعبادتها.
وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين00 كلموها شفاها لأنها كانت محدثة تحدثهم ويحدثونها
قيل الاصطفاء الأول تقبلها من أمها ولم تقبل قبلها أنثى
في قوله تعالى:﴿فتقبلها ربها بقبول حسن﴾ أن ذلك بيان لاستجابة دعوة أم مريم: وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم، وأن قول الملائكة لمريم: إن الله اصطفيك وطهرك إخبار لها بما لها عند الله سبحانه من الكرامة والمنزلة
وتفريغها للعبادة واغناؤها برزق الجنة عن الكسب وتطهيرها عما يستقذر من النساء والثاني هدايتها وارسال الملائكة إليها وتخصيصها بالكرامات كالولد من غير أب وتبرأتها عما قذفته اليهود بانطاق الطفل وجعلها وابنها آية للعالمين.

في الميزان ذكر أن (اصطفاؤها تقبلها لعبادة الله، وتطهيرها اعتصامها بعصمة الله فهي مصطفاة معصومة، وربما قيل: إن المراد من تطهيرها جعلها بتولا لا تحيض فيتهيأ لها بذلك أن لا تضطر إلى الخروج من الكنيسة، ولا بأس به غير أن الذي ذكر هو الأوفق بسياق الآيات)
وفي المجمع عن الباقر (عليه السلام) معنى الآية اصطفاك من ذرية الأنبياء وطهرك من السفاح واصطفاك لولادة عيسى من غير فحل.
ذكر صاحب الميزان قدس سره في قوله تعالى:﴿واصطفاك على نساء العالمين﴾ الاصطفاء المتعدي بعلى يفيد معنى التقدم، وأنه غير الاصطفاء المطلق الذي يفيد معنى التسليم، وعلى هذا فاصطفاؤها على نساء العالمين تقديم لها عليهن.
وهل هذا التقديم تقديم من جميع الجهات أو من بعضها؟ ظاهر قوله تعالى فيما بعد الآية: إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك الآية، وقوله تعالى:﴿والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين﴾الأنبياء: 91 وقوله تعالى:﴿ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾التحريم: 12، حيث لم تشتمل مما تختص بها من بين النساء إلا على شأنها العجيب في ولادة المسيح (عليه السلام) أن هذا هو وجه اصطفائها وتقديمها على النساء من العالمين.
وأما ما اشتملت عليه الآيات في قصتها من التطهير والتصديق بكلمات الله وكتبه، والقنوت وكونها محدثة فهي أمور لا تختص بها بل يوجد في غيرها،00 انتهى
كما علمنا أن كلمة "اصطفاك" تكررت مرتين في هذه الآية، ففي المرّة الاُولى كانت لبيان الاصطفاء المطلق، وفي الثانية إشارة إلى أفضليّتها على سائر نساء العالم المعاصرة لها.
هذا يعني أن مريم كانت أعظم نساء زمانها، وهو لا يتعارض مع كون سيّدة الإسلام فاطمة الزهراء (عليها السلام) سيّدة نساء العالمين، فقد جاء في أحاديث متعدّدة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والإمام الصادق (عليه السلام) قولهما:
أمّا مريم فكانت سيّدة نساء زمانها.
أمّا فاطمة فهي سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين

كما أنّ كلمة "العالمين" لا تتعارض مع هذا الكلام أيضاً، فقد وردت هذه الكلمة في القرآن وفي الكلام العام بمعنى الناس الذين يعيشون في عصر واحد، كما جاء بشأن بني إسرائيل (واني فضّلتكم على العالمين)
فلا شكّ أنّ تفضيل مؤمني بني إسرائيل كان على أهل زمانهم.

وفي العلل عن الصادق (عليه السلام) قال سميت فاطمة محدثة لأن الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها كما تنادي مريم بنت عمران فتقول يا فاطمة ان الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا فاطمة اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين فتحدثهم ويحدثونها فقالت لهم ذات ليلة أليست المفضلة على نساء العالمين مريم بنت عمران فقالوا ان مريم كانت سيدة نساء عالمها وان الله عز جلاله جعلك سيدة نساء عالمك وعالمها وسيدة نساء الأولين والآخرين.
أما قوله تعالى يا مريم اقنتي لربّك).
هذه الآية تكملة لكلام الملائكة مع مريم.
فبعد أن بشّرها بأنّ الله قد اصطفاها، قالوا لها: الآن اشكري الله بالركوع والسجود والخضوع له اعترافاً بهذه النعمة العظمى
نلاحظ هنا أنّ الملائكة يصدرون إلى مريم ثلاثة أوامر:
الأول:القنوت أمام الله.
والكلمة- كما سبق تعني الخضوع و دوام الطاعة.
الثاني:السجود، الذي هو أيضاً دليل الخضوع الكامل أمام الله.
والثالث:الركوع، وهو أيضاً خضوع وتواضع.
أمّا القول: (واركعي مع الراكعين) فقد يكون إشارة إلى صلاة الجماعة، أو طلب إلتحاقها بجموع المصلّين الراكعين أمام الله.
أي إركعي مع عباد الله المخلصين الذين يركعون لله.
في هذه الآية، الإشارة إلى السجود تسبق الإشارة إلى الركوع، وليس معنى هذا أنّ سجودهم قبل ركوعهم في صلاتهم، بل المقصود هو أداء العبادتين دون أن يكون القصد ذكر ترتيبهما، كما لو كنّا نطلب من أحدهم أن يصلّي، وأن يتوضّأ، وأن يتطهّر، إذ يكون قصدنا أن يقوم بكلّ هذه الأُمور.
إنّ العطف بالواو لا يقتضي الترتيب.
الركوع والسجود أصلاً بمعنى التواضع والخضوع، وما حركتا الركوع والسجود المألوفان سوى بعض مصاديق ذلك.
********************************************************* ******************

تفسير الأمثل
تفسير الميزان
تفسير الصافي