بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
الطيبين الطاهرين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال الله عزوجل في محكم كتابه الكريم

وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَـلَمِينَ107 قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـهُكُمْ إِلَـهٌ وَحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ108 فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءِ وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ109 إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ110 وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَـعٌ إِلَى حِين111 قَـلَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَـنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ112﴾ سورة الانبياء

لمّا كانت الآيات السابقة قد بشّرت العباد الصّالحين بوراثة الأرض وحكمها، ومثل هذه الحكومة أساس الرحمة لكلّ البشر، فإنّ الآية الأُولى أشارت إلى رحمة وجود النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) العامّة، فقالت: (وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين) فإنّ عامّة البشر في الدنيا، سواء الكافر منهم والمؤمن، مشمولون لرحمتك، لأنّك تكفّلت بنشر الدين الذي يُنقذ الجميع، فإذا كان جماعة قد إنتفعوا به وآخرون لم ينتفعوا، فإنّ ذلك يتعلّق بهم أنفسهم، ولا يخدش في عموميّة الرحم
قيل إن الوجه في أنه نعمة على الكافر أنه عرضه للإيمان والثواب الدائم وهداه وإن لم يهتد كمن قدم الطعام إلى جائع فلم يأكل فإنه منعم عليه وإن لم يقبل وفي الآية دلالة على بطلان قول أهل الجبر في أنه ليس لله على الكافر نعمة لأنه سبحانه بين أن في إرسال محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نعمة على العالمين وعلى كل من أرسل إليهم
في قوله تعالى:﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾أنه صلى الله عليه وآله رحمة مرسلة إلى الجماعات البشرية كلهم بدليل الجمع المحلى باللام وذلك مقتضى عموم الرسالة

إن الصيغــة العامــة لرسالات الله جميعا ، و رسالة الإسلام بالذات ، هي الرحمة ، لانها تهدي الناس الى نعم الله ، و الطريق القويم الى الانتفاع بها ، و النهج السليم لبلوغ الأهــداف الســاميــة ، ولذلك جــاء في الحــديث عن الرسول إنه قال : " إنماأنا رحمة مهداة
و تتميز رسالة نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله) بأنها رحمة للعالمين جميعا سواء الأبيض أو الأسود ، العربي و الأعجمي ، و الفقير و الغني ، و الرجال و النساء ، وأنها - كما السحب الهطول ، كما أشعة الشمس ، كما سائر نعم الله - تشمل الجميع بلا استثناء
ولأنها رحمة للعالمين ، فإن الله سبحانه و تعالى يريدها تسود العالم جميعا حتى تكون وراثة الأرض كل الأرض للصالحين التابعين لهذه الرحمة .. و هذه بشرى لابد أن يسعى كل مؤمن لتحقيقها .
إن جوهر الرحمة الإلاهية الدعوة الى توحيد الله ، و نبذ الشركاء من دونه ، ذلك لأن تحرر الإنسان من عبادة الهوى
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾:يا محمد﴿إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾: بأخلاقك وسيرتك وشريعتك وتعاليمها وأهدافها، قال (صلى الله عليه وأله) : إنما أنا رحمة مهداة. وقيل له: ادع على المشركين. فقال: إني لم أُبعث لعانًا، وإنما بُعثت رحمة وأيضًا قال: إن أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا
وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين لأن ما بعث به سبب لاسعادهم وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم وكونه رحمة للكفار أمنهم به من الخسف والمسخ وعذاب الاستيصال.
إنّ التعبير ب- "العالمين" له إطار واسع يشمل كلّ البشر وعلى إمتداد الأعصار والقرون، ولهذا يعتبرون هذه الآية إشارة إلى خاتمية نبي الإسلام، لأنّ وجوده رحمة وإمام وقدوة لكلّ الناس إلى نهاية الدنيا، حتّى أنّ هذه الرحمة تشمل الملائكة أيضاً:

ففي حديث شريف مروي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يؤيّد هذه العمومية، إذ نلاحظ فيه إنّ هذه الآية لمّا نزلت سأل النّبي جبرئيل فقال: "هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟" فقال جبريل: "نعم إنّي كنت أخشى عاقبة الأمر، فآمنت بك لمّا أثنى الله عليّ بقوله: عند ذي العرش مكين
في الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث مجيبا لبعض الزنادقة وأما قوله لنبيه صلى الله عليه وآله وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وإنك ترى أهل الملل المخالفة للأيمان ومن يجري مجراهم من الكفار مقيمين على كفرهم إلى هذه الغاية وأنه لو كان رحمة عليهم لاهتدوا جميعا ونجوا من عذاب السعير فإن الله تبارك وتعالى اسمه إنما عنى بذلك إنه جعله سبيلا لإنذار أهل هذه الدار لأن الأنبياء قبله بعثوا بالتصريح لا بالتعريض وكان النبي صلى الله عليه وآله منهم إذا صدع بأمر الله وأجابه قومه سلموا وسلم أهل دارهم من سائر الخليقة وإن خالفوه هلكوا وهلك أهل دارهم بالآفة التي كانت نبيهم يتوعدهم بها ويخوفهم حلولها ونزولها بساحتهم من خسف أو قذف أو رجف أو ريح أو زلزلة أو غير ذلك من أصناف العذاب الذي هلكت به الأمم الخالية وأن الله علم من نبينا صلى الله عليه وآله ومن الحجج في الأرض الصبر على ما لم يطق من تقدمهم من الأنبياء الصبر على مثله فبعثه الله بالتعريض لا بالتصريح وأثبت حجة الله تعريضا لا تصريحا (1) بقوله في وصيه من كنت مولاه فهذا علي مولاه وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا إنه لا نبي بعدي وليس من خليقة النبي صلى الله عليه وآله ولا من شيمته أن يقول قولا لا معنى له فلزم الأمة أن تعلم أنه لما كانت النبوة والاخوة موجودتين في خلق هارون ومعدومتين فيمن جعله النبي صلى الله عليه وآله بمنزلته أنه قد استخلفه على أمته كما استخلف موسى هارون عليه السلام حيث قال له أخلفني في قومي ولو قال لهم لا تقلدوا الإمامة إلا فلانا بعينه وإلا نزل بكم العذاب لأتاهم العذاب وزال باب الإنظار والإمهال.
************************************************** ************************************************** ********************************
تفسير الأمثل
تفسير الميزان
تفسيرالصافي
التفسير المبين
تفسير مجمع البيان
تفسير من هدي القرآن
(1)- التعريض هو الميل بالكلام إلى جانب ليفهم المخاطب أمرا مقصودا للمتكلم لا يريد التصريح به، من العرض بمعنى الجانب فهو خلاف التصريح.
وعلى قول المفسّر الكبير المرحوم الطبرسي في مجمع البيان أنّ التّعريض ضدالتصريح، وهو في الأصل من مادّة (عرض) الذي هو بمعنى جانب الشيء