بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
الطيبين الطاهرين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم:

﴿إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَرِادونَ98 لَوْ كَانَ هَـؤُلاَءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَـالِدُونَ99 لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ100 إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ101 لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِى مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَـلِدُونَ 102 لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاَْكْبَرُ وَتَتَلَقَّـهُمُ الْمَلَـئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ103﴾ سورة الأنبياء

تبيّن الآية التالية حالات المؤمنين الحقيقيين من الرجال والنساء ليتبيّن وضع الفريقين من خلال المقارنة بينهما، فتقول أوّلا: (إنّ الذين سبقت لهم منّا الحسنى اُولئك عنها مبعدون) وهو إشارة إلى أنّنا سنفي بكلّ الوعود التي وعدنا بها المؤمنين في هذه الدنيا، وأحدها إبعادهم عن نار جهنّم.
وبالرغم من أنّ ظاهر الجملة يشمل كلّ المؤمنين الحقيقيين، إلاّ أنّ البعض إحتمل أن تكون إشارة إلى من عُبد من دون الله كالمسيح ومريم(عليهما السلام)، الذين عبدوا دون إرادتهم، ولمّا كانت الآيات السابقة تقول: ستكونون أنتم وآلهتكم في جهنّم، وكان من الممكن أن يشمل هذا التعبير أمثال المسيح (عليه السلام)، فإنّ القرآن يبيّن هذه الجملة كإستثناء بأنّ هذه الفئة سوف لا ترد الجحيم أبداً.
وذكر بعض المفسّرين سبباً لنزول هذه الآية، وهو يوحي بأنّ البعض قد سأل الرّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) نفس هذا السؤال، فنزلت الآية تجيبهم.
ولكن مع ذلك فلا مانع من أن تكون الآية جواباً لهذا السؤال، وأن تكون حكماً عامّاً لكلّ المؤمنين الواقعيين.
قوله تعالى:﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾
الحسنى مؤنث أحسن وهي وصف قائم مقام موصوفه والتقدير العدة أو الموعدة الحسنى بالنجاة أو بالجنة والموعدة بكل منهما وارد في كلامه تعالى قال:﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا﴾مريم: 72 وقال:﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات﴾التوبة: 72.
وقيل: (الحسنى الطاعة لله تعالى يجازون عليها قي الآخرة بما وعدهم الله به. وأخبر تعالى ان من هذه صفته مبتعد عن النار)التبيان
(وقيل إن الذين سبقت لهم منا الحسنى عيسى وعزير ومريم والملائكة الذين عبدوا من دون الله وهم كارهون استثناهم من جملة ما يعبدون من دون الله عن الحسن ومجاهد وقيل إن الآية عامة في كل من سبقت له الموعدة بالسعادة)مجمع البيان
وقيل الحسنى هي الرسالة الحسنة .. الفكرة الحسنة .. السيرة الحسنة .. وهؤلاء وفقهم الله لها في الدنيا ، و بالتالي فهم مبعدون عن نار جهنم في الآخرة)من هدي القرآن
وتذكر الآيتان الأخيرتان أربع نعم إلهيّة كبرى تغمر هذه الطائفة السعيدة.
فالأُولى: إنّهم (لا يسمعون حسيسها) و "الحسيس" - كما قال أرباب اللغة - الصوت المحسوس، وجاءت أيضاً بمعنى الحركة، أو الصوت الناشىء من الحركة، ونار الجحيم المشتعلة دائماً لها صوت خاصّ، وهذا الصوت مرعب من جهتين: من جهة أنّه صوت النّار، ومن جهة أنّه صوت حركة النّار والتهامها.
ولمّا كان المؤمنون المخلصون بعيدين عن جهنّم، فسوف لا يطرق سمعهم هذا الصوت المرعب مطلقاً.
و رد في نهج البلاغة أنّ أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) قال: "فبادروا بأعمالكم تكونوا مع جيران الله في داره، رافق بهم رسله، وأزارهم ملائكته، وأكرم أسماعهم أن تسمع حسيس جهنّم أبداً"
الثّانية: إنّهم (وهم فيما إشتهت أنفسهم خالدون) فليس حالهم كما في هذه الدنيا المحدودة، حيث أنّ الإنسان يأمل كثيراً من النعم دون أن ينالها، فإنّهم ينالون كلّ نعمة يريدونها، مادية كانت أو معنوية، وليس ذلك على مدى يوم أو يومين، بل على إمتداد الخلود.
وإنهم في ما تشتهيه أنفسهم من الثواب والنعيم خالدون والشهوة طلب النفس للذة يقال: اشتهى شهوة وتشهى تشهيا، ونقيض الشهوة تكره النفس، فالغذاء يشتهى والدواء يتكره
الثّالثة: إنّهم (لا يحزنهم الفزع الأكبر). والفزع الأكبر الخوف الأعظم من النار
لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ لا عند الموت ولا في القبر ولا عند البعث والنشر(التفسير المبين)
وقد إعتبر بعضهم أنّ هذا الفزع الأكبر إشارة إلى أهوال يوم القيامة التي هي أكبر من كلّ هول وفزع، وعدّه بعضهم إشارة إلى نفخة الصور وإختلافات الأحوال وتبدّلها عند إنتهاء هذه الدنيا، والزلزال العجيب الذي سيدكّ أركان هذا العالم كما جاء في الآية (87) من سورة النحل.
ولكن لمّا كان هول يوم القيامة وفزعها أهمّ وأكبر من جميع تلك الاُمور، فإنّ التّفسير الأوّل يبدو هو الأصحّ.
وفي أمالي الصدوق، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث: يا علي أنت وشيعتك على الحوض تسقون من أحببتم وتمنعون من كرهتم وأنتم الآمنون يوم الفزع الأكبر في ظل العرش، يفزع الناس ولا تفزعون، ويحزن الناس ولا تحزنون فيكم نزلت هذه الآية﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى - أولئك عنها مبعدون﴾وفيكم نزلت﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر - وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون﴾.
ورد في الميزان ومعنى نزولها فيهم جريها فيهم أو دخولهم فيمن نزلت فيه وقد وردت روايات كثيرة في جماعة من المؤمنين عدوا ممن تجري فيه الآيتان وخاصة الثانية كمن قرأ القرآن محتسبا، وأم به قوما محتسبا، ورجل أذن محتسبا ومملوك أدى حق الله وحق مواليه رواه في المجمع، عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والمتحابين في الله والمدلجين في الظلم والمهاجرين روى في الدر المنثور، الأول عن أبي الدرداء، والثاني عن أبي أمامة، والثالث عن الخدري جميعا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد عد في أحاديث أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ممن تجري فيه الآية خلق كثير(تفسير الميزان)
الرّابعة: من ألطاف الله تعالى لهؤلاء هو ما ذكرته الآية محلّ البحث: (وتتلقّاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون).
﴿و تتلقاهم الملائكة﴾ أي تستقبلهم الملائكة بالتهنئة وتبشرهم يقولون لهم ﴿هذا يومكم الذي كنتم توعدون﴾ في الدنيا فأبشروا بالأمن والفوزبالرضوان والجنان.
في الآيات القرآنية تأكيد على هذه الفكرة : إن الانسان في الآخرة ينعم بألوان النعم ، و هذا يكفيه جزاء لأعماله الصالحات و لكن الله يعطيه نعمة ثانية ، بان يرسل اليه الملائكــة ليستقبلوه أحسن استقبال و ينقلوا له شكر الله على أعماله و سلامه عليه ، و هذاتكريم معنوي عظيم .

************************************************** ************************************************** **********
تفسير الأمثل
تفسير الميزان
تفسير التبيان
التفسير المبين
تفسير مجمع البيان
تفسير من هدي القرآن