الانسان بطبيعة تكوينه التي جبله الله عز وجل عليها , ينتمي الى عالم المادة وذلك في قوله تعالى: (إذ قال ربك للملئكة إني خالق بشرا من طين )(سورة ص الآية71) , وكذلك ينتمي الى عالم الملكوت وهذا من قول الله عز وجل (فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) (سورة ص الآية72) , ولكل من هذين العالمين شؤون واحتياجات , وقد اعطى الله للانسان أداة العقل ليسترشد به الى تلك الشؤون والاحتياجات ويتمكن به – ان احسن استخدامه – من ان يوافق بين تلك الشؤون ويلبي تلك الاحتياجات بنسب لا افراط فيها ولاتفريط , فأذا تمكن من ذلك اعتدل سلوكه واستقامت عقيدته وصار على الجادة الصحيحة الموصلة الى التكامل الانساني , ولا تتكامل انسانيته الا بتكامل اخلاقه ولهذا قال الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله ( انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق ).
يقول علماء النفس والمنطق أن الاخلاق مكتسبة , وهذا يعني ان الشخص يمكن ان تتغير اخلاقه بحسب البيئة التي يعيش فيها والضرف الذي يمر به ونوع الثقافة التي تؤثر به , وقد لايؤثر ذلك بأخلاقه بحسب قوة ورصانة افكاره وشدة يقينه ورسوخ ثقافته . فأذا انحرفت افكاره وضعف يقينه وتصدعت ثقافته , تغيرت اخلاقه.
أن في الفكر والثقافة والعقيدة الاسلامية قيود شرعية واخلاقية يحاول الانسان المؤمن التقيد بها لإيمانه بحكمة واضعها فأذا تقيد بها تراه ذليلاً على المؤمنين عزيزا على الكافرين , أما من انحرفت افكارهم وضعف يقينهم وتصدعت ثقافتهم , فقد رفضوا هذه القيود ودعوا الى فكها وتحطيمها والهجرة الى بلاد التحلل و الانفلات لأنهم يرون في صفة ( أذلة على المؤمنين ) - وان لم يعلنوا صراحة عن رأيهم - صفة ناتجة عن ضعف الشخصية لا عن قوة ايمان المؤمن بعقيدته وثقافته , وقد تناسوا او نسوا ( ان العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ) المنافقون 58 .
ان التواضع والحياء واللين والشجاعة صفات اخلاقية ونفسية فاضلة نابعة من قوة شخصية المؤمن لمعرفته ان لاتكامل لاخلاقه ولا عزة لنفسه الا بالعمل بهذه الصفات , وقوة شخصيته من تكامل اخلاقه وعزة نفسه .
اما الرافض لهذه القيود والنابذ لهذه الصفات الفاضلة فذلك بسبب هزالة شخصيته وعدم امتلاكه لثقافة حصينة محاولا بأنحراف افكاره وسقم اعتقاده ان يُلبس شخصيته قناع القوة , وذلك بالعمل والتخلق بما يضاد هذه الصفات الفاضلة .