بسم الله الرحمن الرحيم
السَّلام عَلَيْكَ يَا أبا عَبْدِ اللهِ وَعلَى الأرواحِ الّتي
حَلّتْ بِفِنائِكَ ، وَأنَاخَت برَحْلِك، عَلَيْكًُم مِنِّي سَلامُ اللهِ أبَداً
مَا بَقِيتُ وَبَقِيَ الليْلُ وَالنَّهارُ ، وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ العَهْدِ
مِنِّي لِزِيَارَتِكُمْ أهْلَ البَيتِ، السَّلام عَلَى الحُسَيْن ، وَعَلَى عَليِّ
بْنِ الحُسَيْنِ ، وَعَلَى أوْلادِ الحُسَيْنِ ، وَعَلَى أصْحابِ الحُسَين.
من أشهر إشراقات الحسين عليه السلام خطابه لبني هاشم
(بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى بني هاشم، أما بعد، فإنه من لحق بي منكم استشهد, ومن تخلف عني لم يبلغ الفتح والسلام)
لا يتصور معنى الفتح هو النصر العسكري أي تلك الغلبة على الخصم بقوة الرجال والسلاح واستحصال الغنائم الغربية لأن هذا المعنى لم يحصل في واقعة كبرلاء من طرف الحسين عليه السلام وجماعته بل هو من نصيب يزيد وأتباعه .
فما هو الفتح الذي أدركه الحسين عليه السلام ولم يبلغه المتخلف عنهم !!!
قال الله تعالى: ((إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) (غافر: 51) لكن في الواقع أن هخؤلاء الرسل لم ينتصروا على خصومهم نصراً في الدنيا فقد قتلوا وهجروا وطردوا من ديارهم هم ومن آمن بهم , فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا،إذا فسرنا النصر بالنصر العسكري والغلبة السياسية والتسلط على سدة الحكم؟
لايمكم قياس المفاهيم القرآنية على هذا المستوى من السطحية والجمود اللفظي خصوصاً الآية السابقة إن هذا لمن الغفلة عن قيم وحقائق كثيرة في الفكر, ومع فتح أفق التفكير والتوسع في ساحة الذهن في أفق العقيدة يتضح معنى آخر لهذا الفتح معنىً لا يقف على زمان ومكان محددين بل يتمدد أفقه لمقامات ومقولات أبعد من عناصر الحس تتعلق بقضية الاعتقاد والإيمان وبهذه العدسة نعرف أن الفتح الذي أدركه مؤمنو الطف تنتصر هوانتصار قضية الاعتقاد الذي هو عبارة هو انتصار أصحابها, كون المؤمن المعتقد لا وجود له منفكاً عن عقيدته وإيمانه وهذا هو معنى الفناء افي العقيدة والإندكاك في الإيمان فهم هي وهي هم وكل وصف ينسب لها بنفسه وذاته هو منسوب لهم .
فالفتح الذي لم يبلغ المتخلفين عن الجهاد الفتح هو ذلك الثبات والوتدية في الموقف المبدئي الإيماني على نحو عملي بل أن التفاني من أجل العقيدة هو بذاته عين الفتح ،قال الله تعالى ((إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ)) (آل عمران: 160) صدق الله العهلي العظيم لا غالب لمن يثبت ويتفانى في عقيدته وتذوب روحه بها ومن استشهد تبقى عقائده ومبادئه حية متنامية متناقلة عاصية عن الحد الزماني والمكاني .
هذا هو الفتح في خطاب الحسين (عليه السلام) الذي حققه وأدركه بدمه, وثبت أوتاد الإيمان, وأعاد للرسالة المحمدية أصالتها بعد إنحرافها, ورسم الطريق لمستقبل مستمر لتتنقل بين القلوب والنفوس بنقاوة وإخلاص رغم محاولات إلصاق الشوائب بها من قبل بني أمية كذباً وإفتراءً وبهتاناً وما اشتروه من ألسنة الوضاعين على مقام الرسول الله (صلى الله عليه وآله) وتلك هزيمة المشروع اليزيديالذي أراد به دفن الحلال والحرام من أحكام الله تعالى وسنة الرسول الله (صلى الله عليه وآله) بالتحريف في الدين, ولكن الله أبى إلا أن يظهر دينه، ولو كره الكافرون. فصدع قول الشاعر يحكي هذه الحقيقة وهذا المعنى من الفتح :
ظنوا بأن قتل الحسين يزيد’هم لكنما قتل الحسين’ يزيدا
------------------------