بسم الله الرحمن الرحيم
(( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ))
(4)الممتحنة
عندما يراجع الإنسان ذهنه وينظر في المفاهيم الحاصلة عنده فإنه يستطيع تصنيف محتوياته الى قسمين قسم مختص وقسم غير مختص الثاني مثل العطف والرحمة التي قد تشمل حتى العدو بعض الأحيان على مبدأ أن لا يضيع جميل أينما زرعا .
أما الأول المختص فمثل الولاية فإنها مختصة باهلها ولا يمكن توسيع متعلقها الى كل شخص لأهمية آثارها وخصوصية الولي فتعينت بالأئمة عليهن السلام لا تحيد عنهم الى غيرهم
ومن المختص أيضاً مفهوم الأسوة فإنها مختصة بمن هو صالح لها بحيث يكلل بالنجاح من يتأسى به .
الآية الكريمة تبرز أظهر المصاديق في المسألة وهم الأنبياء بذكر إبراهيم عليه السلام , وهو أمر لا يحتاج الى توضيح فالنبي في عقائد المسلمين كامل الذات والصفات فلا غرو من كونه اسوة .
الكلام في المصداق الثاني الذي ذكرته الآية الكريمة وهو (َالَّذِينَ مَعَهُ) والمعية تتحقق تارة بالشكل وتارة بالمبدأ وثالثة بهما معاً أما المعية بالشكل فإن القرآن الكريم أنكر أثرها و أنزلها منزلة العدم قال تعالى في إبن نوح عليه السلام :
{قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}
فبقي الأثر للتابع في المبدأ والولاء سواء شاركه الشكل أو لا .
وهذا التابع أيضاً له مراتب ذاتية وصفاتية ولا يجد العقلاء حسناً في التأسي بالمرتبة الأدنى مع وجود الأعلى مثلاً لو إتفق أهل مدينة أو حي من الأحياء على أن يختاروا إماماً لجماعتهم وتردد الأمر بين عدد من المؤمنين متفاوتين في صفاتهم من حيث الضبط أو الحضور أو الصفات الأخرى التي لا تخرجهم عن صفة العدالة فإن العقل يحكم بإختيار من تلبست به الصفات المرغوبة بشكل آكد وأكثر وإن صلح الجميع لذلك .
وفي الحقيقة أن هذا الأمر رغم كونه عقلائي فإن البعض لا يلتزم بمفرداته ويلوث مشروع الأسوة المنتج بسوء الإختيار إما للجهل بالمطلوب أو لعوامل أخرى دنيوية .
وفي هذا الزمان حيث تعدد المشارب وتلون الشخصيات والصفات يقع على الفرد مسؤولية بناء شخصيته الدينية بصورة مباشرة وأقصد بالدينية الشرعية والأخلاقية فإذا تمسك بالآية الكريمة فإنه سوف لا يخرج عن دائرة أتباع الأنبياء وببصيرة العقل سيخرج من هذه الدائرة المدعي للقرب المدلس الذي لم يتسالم عليه أنه من الأتباع والوجدان أبرز دليل على ذلك , ثم أصحاب المعية المخلصين الذين شهدت سيرتهم بذلك فيبقى المؤمن يتنقل بين رتبهم في الأخلاق ويلون سيرته بالتأسي بهم بابهى ألوان الإيمان والإخلاص .
فالأسوة من هذه الناحية كالتقليد يحكم العقل والوجدان بإختيار الجامع للشرائط والصفات وعند التعدد يكون الترجيح بمسألة الرتبة .
فهذا أيضا توجيه منه تعالى في إختيار الأسوة والمثل الأعلى .
والاُسوة تعني في الأصل الحالة التي يتلبسها الإنسان لدى اتباعه لآخر، والمعنى المتحد في الآيات الكريمة بهذا الخصوص هو أن لكم أيها الناس في الأنبياء وأتباعهم تأسياً وإقتداء جيداً، فإنكم تستطيعون بالإقتداء به واتباعه أن تصلحوا اُموركم في الدارين وتسيروا على الصراط المستقيم المرغوب به عند الناس وعند الله تعالى.
ونعود الآن الى أنفسنا ونتابع مصاديق أسوتنا الذين نتبعهم هل تتوفر فيه الشروط أو التوجيهات القرآنية بنسبة عالية ؟؟؟؟