بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
لقدجعل اللـه أنبياءه حملة الرسالات من البشر ، كي تقوم الحجة على الناس للإقتداء بهم ، ولو كانوا ملائكة للقال الناس مالنا والملائكة ، وهم من جنس آخر ,كما إن الإنسان مجبول على حب الفضيلة ، وإذا وجدها في شخص ما ازداد له و لها حباً ، ويكون له داع في ذاته إلى اتباعه ، والسعي لتقمص صفاته وسلوكه .
إن أخلاق الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) أفضل منهاج تربوي ، وإنهم بحق قدوات الخير والفضيلة ، وإن سيرة حياتهم الإجتماعية والأخلاقية أقوى حجة على سلامة نهجهم في التربية وصحة خطتهم في الحياة ، وإن توجيهاتهم لأصحابهم ونصائحهم هي التفسير الصحيح للقرآن الكريم، فحري بنا أن نقرأ تلك الأفكار ونتفاعل معها .
والواقع أن التاريخ لم يحفظ لنا من سيرة الأئمة إلاّ قليلاً ، لأنهم كانوا يعيشون حالة الحصار الإعلامي من قبل السلطات الجائرة حتى أن رواية فضيلة لهم كانت تكلِّف في بعض العصور حياة الراوي ، وكان على الشاعر دعبل أن يحمل على كتفه خشبة إعدامه لمدة ربع قرن ، ويهيم على وجهه في القفار ليس إلا لأنه كان يمدح أهل البيت . ومع ذلك فإن ما تبقّى من فضائلهم يعتبر دورة تربوية كاملة لمكارم الأخلاق الإسلامية.
عاش الإمام الكاظم (عليه السلام) في أيام صراع سلطوي على العباد والبلاد وأصعب أوقات التقيّة والسرّية في العمل ، لكن أخلاقه وسيرته تمكنت من اختراق الحصار الإعلامي للسلطات آنذاك مما يعتبر معجزة من معجزاته عليه السلام، وما وصلنا من قصصه ومواقفه وإن كانت قليلة على ما لم تصل إلينا إلا أنها تعتبر مدرسة سلوكية ناجحة للأخلاق والآداب الإنسانية فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا .
قال أبو الفرج الأصفهاني علي بن الحسين، المتوفى سنة 356، في كتابه (مقاتل الطالبيين)، ص499 :-
حدّثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى: أن رجلا من آل عمر بن الخطاب كان يشتم علي بن أبي طالب إذا رأى موسى بن جعفر، ويؤذيه إذا لقيه.
فقال له بعض مواليه وشيعته: دعنا نقتله: فقال: لا.
ثم مضى راكباً حتى قصده في مزرعة له، فتواطأها بحماره،
فصاح: لا تدس زرعنا،
فلم يصغ إليه، واقبل حتى نزل عنده فجلس معه وجعل يضاحكه. وقال له: كم غرمت على زرعك هذا؟
قال: مائة درهم، قال: فكم ترجوا ان تربح؟
قال: لا أدري،
قال: إنما سألتك كم ترجو؟
قال: مائة اخرى.
قال: فاخرج ثلاثمائة دينار فوهبها له، فقام فقبّل رأسه.
فلمّا دخل المسجد بعد ذلك وثب العمري فسلّم عليه، وجعل يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته، فوثب أصحابه عليه وقالوا: ما هذا؟ فشاتمهم.
وكان بعد ذلك كلما دخل موسى خرج يسلّم عليه ويقوم له.
فقال موسى لمن قال ذلك القول: أيما كان خيراً ما أردتم أو ما أردت؟