العلاقات الإجتماعية بين الناس تستدعي أن يكون البرنامج الأخلاقي لدى الفرد متقناً متوازناً بعيداً عن التصرفات العفوية غير المنضبطة أو المنضبطة بضوابط غير صحيحة وليس فرد لا يواجه ما لا يرغبه من الغير بل هذا من لوازم المعاشرة والتعايش مع افراد النوع لكن المطلوب هو الإستناد الى أمر مشروع وطرقة مرضية في التعامل مع العنصر والمادة الإجتماعية العارضة .
وكلنا يواجه موقف الحرج مع الآخرين وطرق التخلص منه متعددة فيجب الإلتفات الى أن بعض الطرق قد لا تكون سليمة بحيث أنها تخلصه من موقفه الحاضر لكنها تهدم له ديناً أو أمراً مهماً آخر من مقومات شخصيته كونها شخصية اسلامية .
ومن هذه الطرق المداهنة والمساهلة مع الباطل وخذلان الحق وهو أمر مع الأسف بقدر مانراه عند البعض بقدر ما يكون ةمبغوضاً في الشريعة الإسلامية و منهياً عنه قال الطبرسي في مجمع البيان نهى الله سبحانه عن المداهنة في الدين و الميل إلى الظالمين فقال « و لا تركنوا إلى الذين ظلموا » أي و لا تميلوا إلى مشركين في شيء من دينكم عن ابن عباس و قيل لا تداهنوا الظلمة عن السدي و ابن زيد و قيل إن الركون إلى الظالمين المنهي عنه هو الدخول معهم في ظلمهم و إظهار الرضا بفعلهم أو إظهار موالاتهم . وقال قريب منه ما روي عنهم (عليهم السلام) إن الركون المودة و النصيحة و الطاعة .
وفي أمالي المفيد ص128 عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ص يقول لا ترتابوا فتشكوا و لا تشكوا فتكفروا و لا ترخصوا لأنفسكم فتدهنوا و لا تداهنوا في الحق فتخسروا و إن الحزم أن تتفقهوا و من الفقه أن لا تغتروا و إن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه و إن أغشكم لنفسه أعصاكم لربه من يطع الله يأمن و يرشد و من يعصه يخب و يندم و اسألوا الله اليقين .
فإذا عرف المرء الحق وجب التمسك به ونصرته والذود عنه وعدم توخي الخسران في الإعراض والتخلي عنه ,فإنه من نتائج المداهنة على حساب الحق نزول البلاء الذي يعم البر والفاجر فإن لكل نوع من البلاء أسباب خاصة وعامة كما ورد في الكافي ج5ص55 عن جابر عن الباقر عليه السلام قال: أوحى الله إلى شعيب النبي أنّي معذّب من قومك مائة ألف: أربعين ألفاً من شرارهم، وستّين ألفاً من خيارهم. فقال: ياربّ، هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ فأوحى الله عزّوجلّ إليه: داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي
وفال في الأمثل إِنّ الذين يشجعون أهل المعاصي بسكوتهم وحضورهم في مجالس المعصية، إِنّما يجازون ويعاقبون بمثل عقاب العاصين أنفسهم.
وفي كتاب إعلام الدين في صفات المؤمنينج5ص17 قال الحواريون لعيسى عليه السلام : لمن نجالس ؟ فقال : من يذكركم الله رؤيته، ويرغبكم في الآخرة عمله ، ويزيد في منطقكم علمه . وقال لهم : تقربوا إلى الله بالبعد من أهل المعاصي ، وتحببوا إليه ببغضهم ، والتمسوا رضاه بسخطهم .
ومن مداهنة الباطل مداهنة النفس في رغباتها وأهوائها لأنها أحياناً تكون من أهل المعاصي والروايات كثيرة في مخالفة النفس وترويضها على حب الخير ولو كان الأمر فيه مشقة أو حرج لأن طاعتها والتنازل لها ولأوامرها باب واسع للمعاصي وتكرار الذنوب والإستخفاف بالتعاليم والأحكام الإسلامية قال أمير المؤمنين عليه السلام في غرر الحكم ص235 : من داهن نفسه هجمت به على المعاصي .
وأبرز شخصية رسمت معام التعامل الصحيح مع الظالمين من جهة ونصرة الحق وأهله من جهة أخرى هو الإمام الحسين عليه السلام في مدرسة الطف التي أسست معالم الفكر الإسلامي النقي في لاجميه أبعاد شخصية الفرد المسلم حيث قال عليه السلام مخاطباً أهل الباطل: ألا و إن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين السلة و الذلة و هيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك و رسوله و المؤمنون و حجور طابت و حجور طهرت و نفوس أبية و أنوف حمية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ألا و إني زاحف بهذه الأسرة مع قلة العدد و كثرة العدو و خذلان الناصر ثم وصل هذا الكلام بشعر فروة بن مسيك المرادي
فإن نهزم فهزامون قدما و إن نغلب فغير مغلبينا
و ما إن طبنا جبن و لكن منايانا و دولة آخرينا
إذا ما الموت رفع عن أناس كلاكله أناخ بآخرينا
فأفنى ذلكم سروات قومي كما أفنى القرون الأولينا
فلو خلد الملوك إذا خلدنا و لو بقي الكرام إذا بقينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا