منزلة الأب

لا يوجد شك أن طلب الولد واستمرار النسل هو من أهل أهداف الزواج وبناء الأسرة . وعندما نتمعّن في الروايات الإسلامية نراها تذكر شروطاً معينة , على الزوج والزوجة بأن يطلبا الولد لدى إقامة العلاقة الزوجية بل ذكرت أدعية خاصة لدى ممارسة العلاقة الجنسية .
ويذكر الإسلام في مجال اختيار الزوجة شروطاً منها التزوج من الولود والابتعاد عن العقيمة , فالأصل هو طلب الولد, ويجوز الطلاق- رغم كراهته- فيما لو كان أحد الزوجين عقيماً.
وتؤكد الأحاديث التي تقرأ عادة في مراسم الخطبة والزواج على تكثير النسل:" تناكحوا, وتناسلوا, وتكاثروا.... " وجاء في القرآن الكريم على لسان زكريا دعاؤه :" ربّ هب لي من لدنك وليّا يرثني...".
وأخيراً فثمة أحاديث كثيرة توصي الرجال الصالحين والنساء الصالحات بتوفير المقدمات للحصول على الولد, حتى أنّ القرآن الكريم عبّر عن موت الرجل الذي لا يملك ذرية بالهلاك .
أشارت دراسات علماء النفس أنه لا توجد غريزة تسمّى بالأبوّة , فعلاقة الأب مع ولده والدفاع عنه لها بعداً ثقافياً ودينياً وأخلاقياً لكنه يبقى هناك شعور لدى الرجل بأنه أصبح أباً.
فالأبوة هي شعور لدى الفرد , والطفل هو كالغذاء الروحي لوالده .
حيث يدرك الشخص الذي أصبح لتوّه أباً بأنه أصبح الآن ذي مكانة خاصة لم يكن يملكها من قبل ولا يملكها العزّاب أيضاً.
ويتجلّى له هذا الشعور أنه أصبح إنساناً كاملاً وقادراً على العيش مرفوع الرأس .
فالأبوة تهب الإنسان شعوراً بالقوة بحيث يرى في نفسه الكفاءة الكاملة لنيل احترام الآخرين . ولا يصبح الرجل رب أسرته إلّا في ظل الأبوّة , ويرى في نفسه القابلية واللياقة والجرأة والشجاعة للتخطيط للحياة من أجل سعادته شخصياً وأفراد أسرته .
أهمية الوالد للأسرة :
من جانب آخر,فالوالد يمثل نعمة للأسرة لقيامة بالتقريب بين الأب والأم وزيادة الألفة بينهما ورفع منزلة كل طرف لدى الآخر . كما أنه يهب الدفء والنشاط إلى الأسرة ويبعد عنها المشاكل والاختلافات ويقصر الأيام الطويلة بسبب تسلّي الوالدين بطفلهما .
ويعزز الولد مكانة الأسرة ويكون سبباً في استمرار الحياة, وبواسطته تتقوّم الأسرة , ويبرز هذا بوضوح عندما يتجاوز عدد الأولاد الواحد والاثنين لاستئناس الوالدين بهم .
وتطرأ تغييرات معينة في شكل الحياة ومحتواها بسبب ولادة الطفل الذي سيلفت الأنظار إليه . فما أكثر الصعوبات الحياتية التي ستختفي بسبب حضور الأطفال , وما أكثر المشاكل التي ستحل بسببهم أيضاً, والتجارب والخبرات التي ستكسب .
جاء عن أحد العظماء قوله : " لقد عرفت الخالق جداً عندما أصبحت أباً" .
يفرض وجود الطفل على الوالدين بذل الجهد ويهبهما الأمل والدفء والنشاط . فما فائدة سعي الوالدين لو لم يملكا ولداً؟ لاقتصر جهدهما ونشاطهما على أنفسهما فقط مع شعورهما باليأس الدائم . فالطفل الذي هو بمثابة نتاج جهد الأبوين يعدّ نوعاً من الأجر والمكافأة لهما .

شروط الأبوّة :
يؤدي الزواج إلى تسكين الغرائز وتنظيم الحياة وتحقيق المودة والرحمة والمحافظة على النسل . وقلنا إنه وردت تأكيدات عديدة على التكاثر وامتلاك الأولاد . لكن الموضوع ليس بهذه السهولة والبساطة , إذ لا بدّ من الحذر والالتفات إلى ثقل المسؤولية في المرحلة القادمة .
إن ممارسة الأبوّة والقيام بالوظائف الإسلامية في هذا المجال تعتبر عملية معقدة جداً .ومن دواعي الفخر أن يكون الإنسان واعياً لمسؤولية بهذا الخصوص . فالأبوة تعني أن يكون الإنسان أميناً لخالقة , وعليه أن يكشف عن مهارته وكفاءته في أداء هذه الوظيفة طبقاً لأوامره وتعاليمه جل وعلا.
إن امتلاك الولد وتربيته لهي مسؤولية ووظيفة مقدسة, ولها التزامات شرعية وثواب وعقاب وتحتاج إلى الجرأة والاستعداد أيضاً فما فائدة أن يكون أحدنا أباً لأولاد ينشئون بعيداً عن المبادئ التربوية والأصول الأخلاقية ولا يلتزمون بشيء منها .
لا بد من الاهتمام بالظروف التي توفر سلامة النشء وتؤثر في بنائه أيضاً , فقد سأل بعض الأصحاب الأمام الباقر (ع) عن " الرجل المسلم تعجبه المرأة الحسناء أيصلح له أن يتزوجها وهي مجنونة؟ ... قال : لا, ولكن إذا كانت عنده أمة مجنونة فلا بأس بأن يطأها ولا يطلب ولدها" .

مكانة الأب :
للأب مكانة مهمة في الإسلام, وله مقام شامخ ومنزلة كبيرة . والأب كلمة عامة ويمكن أن نفهم منها إنّها تعني الإشراف والاحترام والهيبة والوقار والمرتبة الرفيعة,وتعني أن له كلمة الفصل وبيده فقط القرار النهائي, وتنطبق هذه المفاهيم والصفات على قائد الأمة والشعب أيضاً ويمكن تسميته بالأب.
إنّها لمنزلة عظيمة أن يكون الإنسان أميناً لخالقه, وينبغي عليه أن يربي ويستفسر عن أحوالهم فرداً,ويحلّ مشاكلهم ويبذل جهده من أجل خدمتهم, ولا ينبغي التأثير عليهم سلباً أو الإضرار بهم .
إنه مصدر للبهجة والرحمة قبل أن يكون مصدراً للخوف والنقمة, فلا يظلم أهل بيته أبداً, حيث يقول الرسول الأكرم (ص) بهذا الشأن:" خير الرجال من أمتي الذين لا يتطاولون على أهليهم ويحنون عليهم ولا يظلمونهم" .